أركان عقد الزواج

تنص المادة الأولى من قانون الأحوال الشخصية الكويتي على أن ( الزواج عقد بين رجل وامرأة تحل له شرعاً ، غايته السكن ، والإحصان ، وقوة الأمة ) .
هي أجزاؤه التي يتركب منها ، ويتحقق بها وجوده ، وانعقاده ، وهي : (1) العاقدان (2) والمعقود عليه (3) والصيغة ، (الإيجاب والقبول) .
ولما كان وجود الصيغة يستلزم وجود العاقدين ، والمعقود عليها ، اقتصر أكثر الفقهاء على قولهم : أركان الزواج : الإيجاب والقبول .
فالإيجاب : هو ما يصدر أولاً من أحد العاقدين ، للدلالة على إرادته في إنشاء الارتباط .
والقبول : هو ما يصدر ثانياً من العاقد الآخر ، للدلالة على رضاه وموافقته بما أوجبه الأول .
وقد يتولى صيغة العقد اثنان لهما صفتهما الشرعية ، كالآتي ..
[1] أن يكون العاقدان أصليين ، وهما : الزوج ، والزوجة .
[2] أو يكون العاقدان وليين ، وهما : ولى الزوجة ، وولى الزوج .
[3] أ, يكون العاقدان وكيلين ، وهما وكيل الزوجة ، ووكيل الزوج .
[4] أو يكون أحد العاقدين أصيلاً عن نفسه ، والآخر ولياً على غيره .
[5] أو يكون أحد العاقدين أصيلاً عن نفسه ، والآخر وكيلاً عن غيره .
[6] أو يكون أحد العاقدين ولياً على غيره ، والآخر وكيلاً عن غيره ، وهذا هو الأعم الأغلب وينعقد الزواج في هذه الصورة باتفاق الفقهاء .
وقد يتولى الصيغة عاقد واحد ، تقوم عبارته مقام العبارتين ، إذا كان له حق تمثيل الطرفين شرعاً ، كالآتي :
(1) أن يكون العاقد ولياً على الزوجين ، كرجل يزوج ابنه أخيه الصغيرة من ابن أخيه الصغير ، وهما في ولايته .
(2) أن يكون العاقد وكيلاً عن الزوجين ، كمن يزوج موكله من موكلته .
(3) أن يكون العاقد أصيلاً من جانب ، وولياً من جانب آخر ، كمن يزوج نفسه من بنت عمه الصغيرة التي في ولايته .
(4) أن يكون العاقد أصيلاً من جانب ، ووكيلاً من جانب آخر ، كمن يزوج نفسه من امرأة وكلته أن يتزوجها .
(5) أن يكون العاقد ولياً من جانب ، ووكيلاً من جانب آخر ، كمن زوج بنت أخيه التي في ولايته برجل وكله أن يزوجه منها .
وحكم هذه الصور أن الزواج منعقد ، وهذا رأي أبى حنيفة ، ومحمد ، ومالك ، وأحمد ، لأن للعاقد صفة شرعية ، ودليل ذلك :
- ما ثبت من أن الرسول عليه الصلاة والسلام ، قال لرجل : ( أترضى أن أزوجك فلانة ؟ قال : نعم ، وقال للمرأة : أترضين أن أزوجك فلاناً ؟ ، قالت : نعم ، فزوج أحدهما من صاحبه .
وما رواه البخاري أن عبد الرحمن بن عوف ، قال لأم حكيم : أتجعلين أمرك  إلىّ ؟ قالت : نعم ، قال : قد تزوجتك .
فدل ذلك على أنه يجوز للواحد أن يتولى طرفي عقد الزواج ، ما دامت له الصفة الشرعية ، بأن كان أصيلاً ، أو ولياً ، أو وكيلاً ، وتقوم عبارته مقام العبارتين ، لأنه قائم مقام الاثنين .
وإنما جاز للواحد أن يتولى عقد الزواج دون سائر العقود ، لأن حقوق الزواج ترجع إلى الموكل لا إلى الوكيل ، فيطالب الزوج بدفع المهر ،وتطالب الزوجة بالطاعة ، ولا يطالب الوكيل بشيء من ذلك ، لأنه سفير ومعبر عمن يمثله في الزواج .
وأما في العقود الأخرى ، كالبيع – مثلاً – فإن الحقوق ترجع إلى من يباشر العقد ، فيطالب بها ، فلو صح أن يتولى الواحد عقد البيع ،لكان مطالباً بتسليم المبيع إلى المشترى ، وبتسليم الثمن إلى البائع، فيكون مملكاً ومتملكاً في وقت واحد ،وهذا لا يجوز للمنافاة بين حكمي التمليك والتملك .
وقد يتولى صيغة العقد اثنان ، لأحدهما صفة شرعية دون الآخر ، أو ليس لهما هذه الصفة الشرعية ، كالآتي :
[1] أن يكون الموجب فضولياً ، والقابل أصيلاً ، مثل أن يقول الفضولي لرجل : زوجتك فاطمة ، فيقول الرجل : قبلت .
[2] أو يكون الموجب فضولياً ، والقابل ولياً ، مثل أن يقول الفضولي لرجل :زوجت فلانة من أحمد المشمول بولايتك ، فيقول : قبلت .

[3] أو يكون الموجب فضولياً ، والقابل وكيلاً ، مثل أن يقول الفضولي لرجل : زوجت فلاناً من موكلك أحمد ، فيقول : قبلت .
[4] أو يكون الموجب فضولياً ، والقابل فضولياً ، مثل أن يقول الفضولي لفضولي آخر : زوجت فلان من فلانة ، فيقول : قبلت .
وحكم هذه الصور أن الزواج ينعقد موقوفاً على أجازة صاحب الشأن ، خلافاً للشافعي الذي يري أن زواج الفضولي وتصرفات باطلة .
وقد يتولى صيغة العقد واحد فقط ليس له صفة شرعية من جهة ، وله صفة شرعية من جهة أخرى ، أو ليس له صفة شرعية مطلقاً ، كالآتي :
1- أن يكون العاقد فضولياً من جانب وأصيلاً من جانب آخر ، كأن يقول بحضور الشهود : تزوجت بفاطمة ، وهو ليس ولياً عليها ، ولا وكيلاً عنها ..
2- أو يكون العاقد فضولياً من جانب ، وولياً من جانب آخر ، كأن يقول أمام الشهود : زوجت بنت ابني وهى صغيرة من فلان ، وهو لم يكن ولياً عليه ، ولا وكيلاً عنه .
3- أو يكون العاقد فضولياً من جانب ، ووكيلاً من جانب آخر ، كأن يقول أمام الشهود : زوجت موكلي فلان من عائشة ، ولم يكن وليها ، ولا وكيلاً عنها .
4- أو يكون العاقد فضولياً فى الجانبين ، كأن يقول أمام الشهود : زوجت خالداً من أسماء ، وهو ليس ولياً عليهما ، ولا وكيلاً عنهما .
[1] يري الإمام أبو يوسف من الحنفية أن الزواج ينعقد في هذه الصورة موقوفاً على إجازة من له حق الإجازة ، ولا فرق عنده بين كون من يتولى العقد له صفة شرعية ، أو ليس له صفة شرعية ، إلا أن العقد نافذاً بالنسبة للأول ، وموقوف بالنسبة للثاني .
[2] ويرى أبو حنيفة ، ومحمد ، وزفر ، والشافعي أن الزواج لا ينعقد أصلاً في هذه الصور .
أما أبو حنيفة ومحمد فيريان أن العاقد إذا كان ذا صفة شرعية ، فعبارته تقوم مقام الاثنين ، وتفيد معنى الإيجاب والقبول .
أما في هذه الصور فالعاقد ليس له صفة شرعية وهو الفضولي ، فتكون عبارته لغواً ، وهدراً .
وأما زفر فلأنه يري أن الزواج لا ينعقد إلا بارادتين ، إحداهما موجبة والأخرى قابلة ، ولا يمكن قيامهما بشخص واحد .
[3] وأما الشافعي فلأنه يري أن عقد الفضولي ، وتصرفاته باطلة .


ما يتحقق به الإيجاب والقبول

يشترط في الإيجاب القبول تحقق أمرين : أحدهما من حيث الصورة اللفظية ، وثانيهما من حيث المادة والاشتقاق .
(1) فأما من حيث الصورة اللفظية : فلابد أن يكونا بلفظين على صيغة الماضي . كقول الموجب : زوجتك موكلتي ، فيقول القابل : قبلت ، أو رضيت مثلاً ، لأن المقصود من الصيغة هو التعبير عن حصول الرضا من الطرفين ، وتحقق ارادتيهما ، وليس أدل على هذا من صيغة الماضي .
وأما ما كان على صيغة الحال ،أو الاستقبال ، فلا يدل قطعاً على حصول الرضا فعلاً ، فلو قال رجل لوكيل الزوجة : تزوجني موكلتك ، فقال : أقبل ، لا تكون بهذين اللفظين صيغة العقد ،لأنهما ما دلا قطعاً على حصول الرضا وقت التكلم ، لاحتمال أن يراد باللفظين الاستيعاد ، والوعد ، ومادامت الصيغة تحتمل معنى غير العقد ، لا ينعقد بها الزواج .
كما يتحقق الإيجاب والقبول بلفظين يعبر بأحدهما عن الماضي ، وبالآخر عن المستقبل ، كما إذا قال خاطب لرجل : زوجنى ابنتك ، فقال : زوجتها لك ، لأن قوله : زوجني ابنتك توكيل له في أن يزوجه ابنته ، فقول الأب : زوجتها لك ، عبارة قامت مقام العبارتين ، فهو عقد يصح أن يتولاه واحد من الطرفين .
وهذا توجيه قول الفقهاء : (وينعقد بإيجاب وقبول وضعاً للمضي ، أو وُضع أحدهما للمضي والآخر للاستقبال ) .
وينعقد الزواج إذا كانت هناك قرائن تدل على أن المقصود من صيغة غير الماضي إنشاء العقد ، كدعوة الأصدقاء والأقربين إلى مجلس الإيجاب والقبول ، وإحضار الشاهدين عند إجراء العقد ، لأن المعتبر هو جانب الرضا من الطرفين . فكل لفظ يفيد ذلك دون احتمال الوعد ، ينعقد به الزواج .
(2) وأما من حيث المادة والاشتقاق : فيري الفقهاء أن القبول يتحقق بكل لفظ يدل على موافقة الطرف الثاني ، بما أوجبه الأول لإتمام عقد الزواج ، مثل : قبلت ، رضيت ، وافقت ، وما إلى ذلك بدون اشتراط مادة معينة ، أو لفظ مخصوص .
وأما الإيجاب فيري الحنفية : أن يكون بلفظ مشتق من النكاح ، أو الزواج ، أو مشتق مما يدل على تمليك العين فى الحال ، مثل الهبة ، والتمليك ، والصدقة ، كقول المرأة للرجل عند إرادتها إنشاء عقد الزواج : وهبتك نفسي ، وإجابة الرجل فى مجلس العقد بقوله : قبلت . وكذلك لو قالت : ملكتك نفسي ، وقال : وافقت ، ينعقد الزواج بينهما متى استوفى شرائطه الشرعية ، واستدلوا على ذلك بما روى أن رسول الله () جاءته امرأة فقالت : يا رسول الله إني وهبت نفسي لك فقامت قياماً طويلاً ، فقال رجل فقال يا رسول الله ، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة ، فسأله الرسول عن مهرها ، فقال : ملكتكها بما معك من القرآن .
وأما الألفاظ التي لا تدل على التمليك أصلاً ، كالإباحة ، والإحلال ، والإيداع ، وما يدل على تمليك المنفعة ، كالإجازة ، والإعارة ، وما يدل على التمليك في المستقبل كالوصية ، فلا ينعقد الزواج بأي لفظ منها ، لأنها تنافى مقتضى عقد الزواج الذي شرع للتأبيد دون التوقيت .
وأما المالكية فقد قسموا الألفاظ التي ينعقد بها الزواج أربعة أقسام :
(أ‌) ما ينعقد به الزواج مطلقاً ، سواء أسمى صداقاً أم لم يُسم ، وهو أنكحت ، وزوجت .
(ب‌) ما ينعقد به الزواج إن سمى صداقاً ، وإن لم يسم فلا ينعقد الزواج ، وهو وهبت .
(ت‌) كل لفظ يقتضي البقاء مدة الحياة ، كبعت ، وأعطيت ، وأحللت ، فقيل ينعقد ، وقيل لا ينعقد .
(ث‌) ما لا ينعقد به مطلقاً ، وهو كل لفظ لا يقتضي البقاء مدة الحياة ، كالإجازة والعارية .



انعقاد الزواج بالكتابة والرسول والإشارة


إذا كان العاقدان حاضرين مجلس العقد تكون الصيغة بالعبارة ، لأنها أقوى طرق الدلالة .
وأما إذا كان أحد المتعاقدين غائباً ، فتكون الصيغة بالكتابة ، لتعذر المشافهة بالعبارة ، فإذا كتب رجل إلى امرأة كتاباً معبراً عن إرادته في إنشاء عقد الزواج ، كان عليها ليصح العقد أن تحضر الشهود، ليسمعوا ما جاء في الكتاب ، ثم يسمعوا القبول منها ، وبذلك يكون الشهود قد سمعوا شطري العقد ، وشهدوا بالإيجاب والقبول .
أما إذا كانا حاضرين في مجلس العقد فلا يصح العقد بالكتابة ، لأنه لا يلجأ إليها إلا إذا تعذرت المشافهة بالعبارة .
ولو كان مكان الكتاب رسول بالإيجاب ، ونقل عبارة المرسل بحضور شاهدين ، فقبلت ، انعقد الزواج
وإذا كان لا يحسن الكتابة معتقل اللسان أخرس ، فإن كان يعرف الكتابة عقد بها ، وإن كان لا يحسن الكتابة عقد بالإشارة المفهمة ، لتعينها طريقاً لإفهام مراده ، ولا عقد بالإشارة إلا حيث تعذرت الكتابة ، ولا عقد بالكتابة إلا إذا تعذرت المشافهة بالعبارة .
ويري الجعفرية انعقاد الزواج بإشارة الزوج بإشارة الأخرس ولو كان قادراً على الكتابة ، ما دامت الإشارة تفيد المقصود .


انعقاد الزواج بغير اللغة العربي :


إذا كان العاقدان لا يفهمان العربية انعقد الزواج باللغة التي يحسنانها ، وذلك باتفاق الفقهاء .
أما إذا كان أحدهما يحسن العربية والآخر لا يحسنها ، فيرى جمهور الفقهاء جواز انعقاد الزواج بغير العربية .
ويري الحنابلة أن الذي يفهم العربية يعبر بها ، والذي لا يفهمها يعبر باللغة التي يفهمها .
وأما إذا كان العاقدان يحسنان اللغة العربية ، فيري جمهور الفقهاء جواز انعقاد الزواج بغير اللغة العربية ، بالألفاظ الدالة عليه ، لأن التكلم بغير العربية ليس حراماً ، ولأن العبرة في العقود للمعاني دون الألفاظ .
ويري الشافعي أنه لا ينعقد الزواج بغير العربية إذا كان العاقدان يفهمانها ، لأن عدول العاقد عن العربية إلى غيرها مع قدرته عليها دليل على عدم إرادة العقد ، والزواج كالصلاة ، فكما أن الصلاة لا تصح بغير العربية للقادر عليها ، كذلك الزواج لا ينعقد بغير العربية للقادر عليها .
هذا ، ولا ينعقد الزواج بالتعاطي كما ينعقد البيع به ، فلو أن امرأة قالت لرجل بحضور شاهدين : زوجتك نفسي بمائتي دينار فسلمها الرجل مائتي دينار ، ولم يقل قبلت ، لم ينعقد الزواج ، لأنه عقد له كيانه ، ويجب حفظه عن أى احتمال .
وقد جاء في قانون الأحوال الشخصية الكويتي ما نصه :
المـادة [8] :
ينعقد الزواج بإيجاب من ولى الزوجة وقبول من الزوج أو ممن يقوم مقامهما.

المـادة [9] :
i- يكون الإيجاب والقبول فى الزواج مشافهة بالألفاظ التي تفيد معناه عرفاً أو بأي لغة
ii- ويجوز أن يكون الإيجاب بين الغائبين بالكتابة أو بواسطة رسول .
iii- وعند العجز عن النطق تقوم مقامه الكتابة ، فإن تعذرت فالإشارة المفهمة .
يشترك في لزوم الزواج أن يكون الرجل كفئا للمرأة وقت العقد ، ويثبت حق الفسخ لكل من المرأة ووليها عند فوات الكفاءة