إن معرفة الحقوق والواجبات الزوجية ، ووضعها موضع التنفيذ أداة مهمة وفعالة لحفظ الحياة الأسرية . وإذا أعد الزوج لزوجته المسكن الشرعي وكان أميناً عليها وأعطاها عاجل صداقها، لكي تؤدى واجبها نحوه في مودة ومحبة ، وتهيئ له سبل الراحة ، فعندئذ يكون له حقوق عليهاهي :
1- الطاعة :
الطاعة تعنى الاستجابة للطلب ، وطاعة الزوجة لزوجها واجبة ، لأنه بزواجه منها أصبح وليها ، وطاعة ولى الأمر في حدود شرع الله واجبة . ففي خطبة وجهها أبو بكر الصديق رضى الله عنه للمؤمنين عندما تولى الخلافة قال: أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم . يستدل من هذه العبارة أن طاعة ولى الأمر لا تكون سوى فيما يرضى الله عز وجل ، أما فيما عدا ذلك فالمسلم غير ملزم بها وفى حديث شريف رغب الرسول صلى الله عليه وسلم نساء المؤمنين في طاعة أزواجهن قال " طاعة المرأة لزوجها تعدل الجهاد في سبيل الله " . وقال أيضاً (r) : "لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها والذي نفس محمد بيده لا تؤدى المرأة حق ربها حتى تؤدى حق زوجها كله حتى لو سألها نفسها وهى على قتب لم تمنعه" أخرجه أحمد وحسنه الألباني في صحيح الجامع.
لاشك أن طاعة المرأة لزوجها تحفظ كيان الأسرة من التصدع والانهيار وتؤدى إلى حبه لزوجته وتعمق روابط الألفه والمودة بينهما ، وتقضى على آفة الجدل والعناد التي تؤدى في الغالب إلى المنازعة والشقاق.
ويستحب أن يحسن الزوج استخدام هذا الحق الذي كرمه الله به ولا يحاول أن يلغي شخصية زوجته ويجعلها أداة لتنفيذ الأوامر فقط، فمبدأ الشورى الذي أقرته الشريعة الإسلامية السمحاء له مكان كبير في مجال الأسرة ، فالحياة الزوجية مليئة بالأمور الحاسمة التي تنتظر اتخاذ القرار الصائب ، وتبادل الآراء بين الزوجين من شأنه أن يؤدي إلى الوصول إلى ما هو نافع ومفيد بالنسبة لجميع أفراد الأسرة ، أما إذا تحولت الحياة الزوجية إلى أوامر تصدر من الزوج ، وانصياع عن غير اقتناع من الزوجة فلنقل على الحياة الزوجية السلام .
2- حفظه في نفسها وماله :
يقول الله عز وجل " فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله " النساء 34 ، ومعنى ذلك أن الزوجة الصالحة هي المطيعة لزوجها ، الحافظة له في غيبته ، فلا تخونه ، ولا تفضح له سراً ،وتحفظ أمواله من التبديد والتلف . وبهذا المعنى يقول عليه الصلاة والسلام :" الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته ، وإذا أمرها أطاعته ، وإذا أقسم عليها أبرته ، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله ". رواه أبو داود والنسائي وسنده صحيح
3-ألا تأذن في بيته من يكره :
من حق الزوج على زوجته ألا تأتى من الأمور ما يضيق به الزوج ، ومن هذه الأمور السماح لأحد يكرهه أن يدخل منزله ، وقد شرح الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحق في خطبة الوداع " فحقكم عليهن ألا يوطئن فًرشكم من تكرهونه ، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون".
إن المتتبع لأسباب الخلافات الزوجية في أيامنا هذه يجد أن الكثير منها خاصة بين حديثي عهد بالزواج تثور بسبب رفض الزوج دخول إحدى صديقات زوجته إلى منزلهما ، ويزداد الأمر حدة إذا لم يفصح الزوج عن أسباب الرفض .
إن جهل الزوجة بهذا الحق ، واعتبار طلبه هذا تعنتاً منه وتدخلاً في شؤونها الخاصة ، يؤدى بالكثير من الأسر الشابة إلى الانهيار .والنصيحة التي تقدم للزوجة حديثة عهد بالزواج ، هي احترام رغبة زوجها ومحاولة تخفيف اتصالها بهذه الصديقة ، مع عدم استعجاله في ذكر الأسباب ، لأنها إذا سلكت هذا المسلك واطمئن الزوج إلى استجابتها له ، ربما كشف لها لاحقاً عن السبب .
أما بالنسبة للزوج فمن المستحسن حين يطلب من زوجته طلباً من هذا النوع ، أن يقدر مشاعرها تجاه صداقة لها جذورها التي امتدت في حياة زوجته منذ زمن ليس بقصير ، وربما أحرجها الانسحاب من هذه الصداقة بصورة مفاجئة ، خاصة إذا لم يقدم الزوج سباً واضحاً وتركها في غموض .
إن عدم الإفصاح عن السبب ، والغموض الذي تعيشه الزوجة قد يدفعها إلى التحدي فتستقبل الصديقة في غيبته ، أو اللقاء بها خارج المنزل دون علمه . لذا فالرفق هنا مطلوب ، وليتمثل الزوج قول المولى عز وجل " أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.(النحل 125 ) ، فالتسلط والتعنت الشديد قد يؤدى بالزوجة إلى النفور والابتعاد عن الزوج ، وصدق الله العظيم حين قال " ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك (آل عمران 159 ).
4-عدم الخروج من المنزل إلا بإذنه :
إلى جانب كونه حقاً شرعياً للزوج ، فإنه مما يتنافى مع الذوق والأخلاق والقيم الاجتماعية ومصلحة الزوجة التي ترغب في حياة أسرية هانئة أن تخرج من المنزل دون علم زوجها بأمر خروجها ووجهتها .
إن استئذان الزوج ، وإخباره بجهة الخروج وموعد العودة إلى المنزل يزيد ثقته بها واحترامه لها و يقوى الروابط بينهما، ويجعل المشاكل لا تعرف طريق منزلهما .وعلى الزوجة أن تضع في ذهنها أن استئذانه لا يقلل من شأنها ولا يحط من كرامتها. بل قد يدفعه تصرفها هذا إلى احترامه لها إلى الحد الذي يخبرها هو أيضاً على الدوام بجهة خروجه ومكان تواجده، وغنى عن القول أن هذا التصرف من جانبه يعتبر تصرفاً حضارياً ، ويترك آثاره الإيجابية على نفسيتها ويسعدها لشعورها بأنها محط تقديره واحترامه.
ويستثنى قانون الأحوال الشخصية خروج المرأة بدون إذن زوجها في حالة سفرها لتأدية فريضة الحج برفقة محرم ، ( الفريضة تعني الحج لأول مرة ) وأوجب لها النفقة طيلة فترة تواجدها في الديار المقدسة أثناء تأديتها لمناسك الحج، وذلك بنص (المادة 91 ) " للزوجة أن تسافر مع محرم لأداء فريضة الحج ، ولو لم يأذن الزوج ، وتستمر لها نفقة الحضر مدة السفر" .
كذلك لم يعتبر القانون المرأة ناشزاً إذا خرجت لعمل مشروع كزيارة والديها ، أو رعاية المريض منهما أو لقضاء حوائجها التي يقتضي العرف خروج مثلها ، على ألا يكون خروجها منافياً لمصلحة الأسرة . وبذلك نصت ( المادة 89 ) " لا يكون نشوزاً خروج المرأة لما هو مشروع ، أو لعمل مباح ما لم يكن منافياً لمصلحة الأسرة ".
5-ولاية التأديب :
أعطى الشرع الزوج حق تأديب زوجته في حالة الخوف من النشوز .ومعنى النشوز في اللغة هو الارتفاع ونشوز الزوجة يعنى أن تستعصي المرأة على زوجها وتنفر منه .
قال تعالى : " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ، فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ، واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً" ( النساء 34 ).
توضح هذه الآية الكريمة بأن هناك فئتين من الزوجات ، فئة قانتة أي مطيعة لزوجها ، حافظة لأسرار بيت الزوجية ، وفئة يُخشى من نشوزها . وهذه الفئة هي التي سمح الشرع للزوج تأديبها حتى تعود إلى جادة الصواب .يذكر بعض علماء المسلمين أن التأديب يكون في حالة الخوف من النشوز ، أي عند ظهور بوادره وليس بعد أن يقع . والتأديب يأتي على ثلاث مراحل مرتبة ترتيباً تصاعدياً هي :
1- الموعظة :
تعنى النصح من خلال الكلام اللين اللطيف ، بدون قسوة أو تجريح ، وقديماً قال بعض الحكماء : الحقائق مُرة والنصح ثقيل فلا ترسله جبلاً . ولا تجعله جدلاً ، لذا فالمولى عز وجل يدعو المؤمنين إلى الاستعانة عليه باللين والتعقل والحكمة " أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن " . وإذا لم تأت الموعظة بثمارها من المرة الأولى يستحب أن تتكرر ، فعلى الزوج ألا ينتقل إلى المرحلة الثانية ، إلا بعد أن يتأكد بأن المرحلة الأولى لم تؤتى ثمارها .
2- الهجر في المضاجع :
والمقصود به هو عدم معاشرة الرجل امرأته معاشرة الأزواج ،وأن يتم الهجر وهو معها في نفس الفراش . ينقسم علماء المسلمين في تفسير الهدف من الهجر في المضاجع إلى فئتين :
الفئة الأولى : ترى فيه طعناً للزوجة في أنوثتها وكرامتها ومشاعرها ، إذ أنه ليس شئ أقسى على المرأة من أن تكون إلى جانب زوجها في الفراش ولا يلتفت إليها ، وهذا في حد ذاته فيه تأديب للمرأة.
الفئة الثانية :ترى أن الغاية من الهجر في المضاجع هو اختبار مدى إعزاز الزوجة لزوجها وحبها له ، فإن كانت تحمل له في قلبها مودة ومحبة ، بادرت بالاعتذار وإبداء الندم عما بدر منها والاستعداد لتصفية الخلافات وتسوية الموقف، أما إذا كانت لا تحمل لزوجها مشاعر الحب والإعزاز فلن يهمهما هجره لها، بل قد تجد في صدوده عنها راحة ، مما يؤدى إلى سير الزوجين في خطين متوازيين ، وربما انتهى الأمر إلى الانفصال .
قيود الهجر:
أ- الهجر لا يكون إلا في البيت لقول الرسول علية الصلاة والسلام ( لا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت ) .
وللهجر في البيت حكمة بالغة ، إذ أن وجود الزوجين بالقرب من بعضهما من الناحية المكانية ،قد يعطيهما فرصة للحديث ولو في حدود الأمور التي تقتضي الضرورة الحديث حولها ، وقد ينتهي الحديث بالصلح ، كما أنه يحفظ أسرارهما الزوجية فلا تتسرب أسباب خلافاتهما خارج أسوار بيت الزوجية .
ب- ألا تزيد مدة الهجر عن أربعة شهور وإذا زاد عن ذلك ، حق للزوجة أن ترفع أمرها للقاضي ليطلقها طلقة رجعية ، وتسمى تطليق للإيلاء .وذلك لقوله عز وجل " للذين يؤلوون من نسائهم تربص أربعه أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم . ( البقرة 226 )
3-الضرب :
هذه هي المرحلة النهائية للتأديب ، وقد سمح الإسلام للرجل بضرب زوجته في حالة عدم جدوى الموعظة والهجر في المضاجع . وقد أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى أصول وقواعد استخدام هذا الحق ، وأوصاهم بالالتزام بها ،وهو أن يكون الضرب غير مبرح ( أي غير شديد ولا قاسٍ ، وألا يكون في مواضع من الجسد تسبب لها ضرراً ) ولا مهيناً لكرامة المرأة حين قال " لا تضرب الوجه ، ولا تقبح " . ولم يعرف عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه ضرب إحدى زوجاته ، بل إنه نفر المسلمين من استخدام هذه الرخصة حين قال : مر بآل محمد نساء كثير يشكين أزواجهن ليسوا بخياركم . وقال أيضاً موبخاً المسلمين على الضرب المبرح :" ألا يستحي أحدكم أن يجلد امرأته جلد العبد ثم يضاجعها في آخر اليوم " .